آية رقم 33 - سورة الرَّعد - تفسير القرآن الكريم

أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ


سورة: الرَّعد الأية : ( 33 ) - الجزء : ( 13 ) - الصفحة: ( 253 )

القول في تفسير قوله تعالى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد

تفسير الميسّر

أفمن هو قائم على كل نفس يُحصي عليها ما تعمل، أحق أن يعبد، أم هذه المخلوقات العاجزة؟ وهم -من جهلهم- جعلوا لله شركاء مِن خَلْقه يعبدونهم، قل لهم -أيها الرسول-: اذكروا أسماءهم وصفاتهم، ولن يجدوا من صفاتهم ما يجعلهم أهلا للعبادة، أم تخبرون الله بشركاء في أرضه لا يعلمهم، أم تسمونهم شركاء بظاهر من اللفظ من غير أن يكون لهم حقيقة. بل حسَّن الشيطان للكفار قولهم الباطل وصدَّهم عن سبيل الله. ومَن لم يوفِّقه الله لهدايته فليس له أحد يهديه، ويوفقه إلى الحق والرشاد.



تفسير السعدي

يقول تعالى: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } بالجزاء العاجل والآجل، بالعدل والقسط، وهو الله تبارك وتعالى كمن ليس كذلك؟

ولهذا قال: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ } وهو الله الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له ولا ند ولا نظير، { قُلْ } لهم إن كانوا صادقين: { سَمُّوهُمْ } لتعلم حالهم { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ } فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة وهو لا يعلم له شريكا، علم بذلك بطلان دعوى الشريك له، وأنكم بمنزلة الذي يُعَلِّمُ الله أن له شريكا وهو لا يعلمه، وهذا أبطل ما يكون؛ ولهذا قال: { أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ } أي: غاية ما يمكن من دعوى الشريك له تعالى أنه بظاهر أقوالكم.

وأما في الحقيقة، فلا إله إلا الله، وليس أحد من الخلق يستحق شيئا من العبادة، ولكن { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ } الذي مكروه وهو كفرهم وشركهم، وتكذيبهم لآيات الله { وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ } أي: عن الطريق المستقيمة الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } لأنه ليس لأحد من الأمر شيء..... المزيد



تفسير الوسيط

ثم أقام- سبحانه- الأدلة الساطعة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له- تعالى- فقال: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ....

والمراد بالقيام هنا: الحفظ والهيمنة على جميع شئون الخلق والاستفهام للإنكار، والخبر محذوف والتقدير: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ أى: رقيب ومهيمن عَلى كُلِّ نَفْسٍ كائنة ما كانت، عالم بما تعمله من خير أو شر فمجازيها به كمن ليس كذلك؟

وحذف الخبر هنا وهو قولنا- كمن ليس كذلك- لدلالة السياق عليه، كما في قوله- تعالى-: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ أى: كمن قسا قلبه.

وحسن حذف الخبر هنا لأنه مقابل للمبتدأ الذي هو من ولأن قوله- تعالى-:

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يدل عليه.

والمقصود من الآية الكريمة إنكار المماثلة بين الخالق العظيم، العليم بأحوال النفوس ...

وبين تلك الأصنام التي أشركوها مع الله- تعالى- في العبادة والتي هي لا تسمع ولا تبصر، ولا تملك لنفسها- فضلا عن غيرها- نفعا ولا ضرا.

وجملة وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ حالية، والتقدير:

أفمن هذه صفاته، وهو الله- تعالى- كمن ليس كذلك، والحال أن هؤلاء الأ.... المزيد



تفسير البغوي

( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) أي : حافظها ، ورازقها ، وعالم بها ، ومجازيها بما عملت . وجوابه محذوف ، تقديره : كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه .

( وجعلوا لله شركاء قل سموهم ) بينوا أسماءهم .

وقيل : صفوهم ثم انظروا : هل هي أهل لأن تعبد ؟

( أم تنبئونه ) أي : تخبرون الله تعالى : ( بما لا يعلم في الأرض ) فإنه لا يعلم لنفسه شريكا ولا في الأرض إلها غيره ( أم بظاهر ) يعني : أم تتعلقون بظاهر ( من القول ) مسموع ، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له .

وقيل : بباطل من القول : قال الشاعر :

وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

أي : زائل .

( بل زين للذين كفروا مكرهم ) كيدهم . وقال مجاهد : شركهم وكذبهم على الله .

( وصدوا عن السبيل ) أي : صرفوا عن الدين .

قرأ أهل الكوفة ، ويعقوب ( وصدوا ) وفي حم المؤمن ( وصد ) بضم الصاد فيهما ، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ) ( الحج - 25 ) ، وقوله ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) ( النحل - 88 وغيرها ) .

( ومن يضلل الله ) بخذلانه إياه ( فما له من هاد ) ..... المزيد



تفسير القرطبي

قوله تعالى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ليس هذا القيام القيام الذي هو ضد القعود ، بل هو بمعنى التولي لأمور الخلق ; كما يقال : قام فلان بشغل كذا ; فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب ، ويخلقها ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها ; فالمعنى : أنه حافظ لا يغفل ، والجواب محذوف ; والمعنى : أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل . وقيل : أفمن هو قائم أي عالم ; قاله الأعمش . قال الشاعر :

فلولا رجال من قريش أعزة سرقتم ثياب البيت والله قائم

أي عالم ; فالله عالم بكسب كل نفس . وقيل : المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم ، عن الضحاك .

وجعلوا حال ; أي أوقد جعلوا ، أو عطف على استهزئ أي استهزءوا وجعلوا ; أي سموا لله شركاء يعني أصناما جعلوها آلهة . قل سموهم أي قل لهم يا محمد : سموهم أي بينوا أسماءهم ، على جهة التهديد ; أي إنما يسمون : اللات والعزى ومناة وهبل .

أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " أم " استفهام توبيخ ، أي أتنبئونه ; وهو على التحقيق عطف على استفهام متقدم في المعنى ; لأن قوله : سموهم معناه : ألهم أسماء الخالقين . أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ؟ . وقيل .... المزيد



تفسير ابن كثير

يقول تعالى : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) أي : حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة ، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر ، ولا يخفى عليه خافية ، ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) [ يونس : 61 ] وقال تعالى : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) [ الأنعام : 59 ] وقال ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] وقال ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] وقال ( يعلم السر وأخفى ) [ طه : 7 ] وقال ( وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) [ الحديد : 4 ] أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ، ولا تملك نفعا لأنفسها ولا لعابديها ، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها ؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه ، وهو قوله : ( وجعلوا لله شركاء ) أي : عبدوها معه ، من أصنام وأنداد وأوثان .

( قل سموهم ) أي : أعلمونا بهم ، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا ، فإنهم لا حقيقة لهم; ولهذا قال : ( أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ) .... المزيد



تفسير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفَالرَّبُ الذي هو دائمٌ لا يَبيدُ ولا يَهْلِك ، قائم بحفظ أرزاق جميع الخَلْق, (58) متضمنٌ لها, عالمٌ بهم وبما يكسبُونه من الأعمال, رقيبٌ عليهم, لا يَعْزُب عنه شيء أينما كانوا، كَمن هو هالك بائِدٌ لا يَسمَع ولا يُبصر ولا يفهم شيئًا, ولا يدفع عن نفسه ولا عَمَّن يعبده ضُرًّا, ولا يَجْلب إليهما نفعًا؟ كلاهما سَواءٌ؟

* * *

وحذف الجواب في ذلك فلم يَقُل، وقد قيل (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) : ككذا وكذا, اكتفاءً بعلم السامع بما ذَكَر عما ترك ذِكْره . وذلك أنه لما قال جل ثناؤه: (وَجعلُوا لله شُرَكاء) ، عُلِمَ أن معنى الكلام: كشركائهم التي اتخذوها آلهةً. كما قال الشاعر: (59)

تَخَـــيَّرِي خُـــيِّرْتِ أُمَّ عَـــالِ

بَيْـــنَ قَصِــيرٍ شِــبْرُهُ تِنْبَــالِ

أَذَاكَ أَمْ مُنْخَــــرِقُ السِّــــرْبَالِ

وَلا يَـــزَالُ آخِــــرَ اللَّيـــالِي

مُتْلِــفَ مَـالٍ وَمُفِيدَ مَــالِ (60)

ولم يقل وقد قال: " شَبْرُهُ تِنْبَال ", (61) وبين كذا وكذا, اكتفاء منه بقوله: " أذاكَ أم منخرق السربال ", ودلالة الخبر عن المنخر.... المزيد



سياسة الخصوصية   شروط الاستخدام