آية رقم 3 - سورة الحِجر - تفسير القرآن الكريم
ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ
القول في تفسير قوله تعالى: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون
تفسير الميسّر
اترك -أيها الرسول- الكفار يأكلوا، ويستمتعوا بدنياهم، ويشغلهم الطمع فيها عن طاعة الله، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم الخاسرة في الدنيا والآخرة.
تفسير السعدي
فـ { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا } بلذاتهم { وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ } أي: يؤملون البقاء في الدنيا فيلهيهم عن الآخرة، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أن ما هم عليه باطل وأن أعمالهم ذهبت خسرانا عليهم ولا يغتروا بإمهال الله تعالى فإن هذه سنته في الأمم.
تفسير الوسيط
ثم أمر- سبحانه- الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يذرهم في طغيانهم يعمهون، بعد أن ثبت أنهم قوم لا ينفع فيهم إنذار فقال- تعالى-: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
وذر فعل أمر بمعنى اترك، ومضارعه يذر، ولا يستعمل له ماض إلا في النادر، ومن هذا النادر ما جاء في الحديث الشريف: «ذروا الحبشة ما وذرتكم» .
و «يتمتعوا» من المتاع بمعنى الانتفاع بالشيء بتلذذ وعدم نظر إلى العواقب.
«ويلههم» : من الانشغال عن الشيء ونسيانه، يقال: فلان ألهاه كذا عن أداء واجبه، أى: شغله.
والأمل: الرغبة في الحصول على الشيء، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله.
والمعنى: اترك- أيها الرسول الكريم- هؤلاء الكافرين، وخلهم وشأنهم، ليأكلوا كما تأكل الأنعام، وليتمتعوا بدنياهم كما يشاءون، وليشغلهم أملهم الكاذب عن اتباعك، فسوف يعلمون سوء عاقبة صنيعهم في العاجل أو الآجل.
قال صاحب الكشاف: وقوله ذَرْهُمْ يعنى اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم من النهى عما هم عليه، والصد عنه بالتذكرة والنصيحة، واتركهم يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم، وتنفيذ شهواتهم ويشغلهم أمل.... المزيد
تفسير البغوي
( ذرهم ) يا محمد ، يعني : الذين كفروا ( يأكلوا ) في الدنيا ( ويتمتعوا ) من لذاتهم ( ويلههم ) يشغلهم ( الأمل ) عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة ( فسوف يعلمون ) إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا ، وهذا تهديد ووعيد .
وقال بعض أهل العلم : " ذرهم " تهديد ، وقوله : " فسوف يعلمون " تهديد آخر ، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين ؟ والآية نسختها آية القتال .
تفسير القرطبي
قوله تعالى : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون فيه مسألتان :
الأولى : قوله - تعالى - : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا تهديد لهم . ويلههم الأمل أي يشغلهم عن الطاعة . يقال : ألهاه عن كذا أي شغله . ولهي هو عن الشيء يلهى . فسوف يعلمون إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا . وهذه الآية منسوخة بالسيف .
الثانية : في مسند البزار عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أربعة من الشقاء : جمود العين ، وقساوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا . وطول الأمل داء عضال ومرض مزمن ، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه واشتد علاجه ، ولم يفارقه داء ولا نجح فيه دواء ، بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء . وحقيقة الأمل : الحرص على الدنيا والانكباب عليها ، والحب لها والإعراض عن الآخرة . وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل . ويروى عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قام على درج مسجد دمشق فقال : ( يا أهل دمشق ، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح ، إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا ، .... المزيد
تفسير ابن كثير
وقوله : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ) تهديد لهم شديد ، ووعيد أكيد ، كقوله تعالى : ( قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) [ إبراهيم : 30 ] وقوله : ( كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ) [ المرسلات : 46 ] ولهذا قال : ( ويلههم الأمل ) أي : عن التوبة والإنابة ، ( فسوف يعلمون ) أي : عاقبة أمرهم .
تفسير الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ذر يا محمد هؤلاء المشركين يأكلوا في هذه الدنيا ما هم آكلوه، ويتمتعوا من لذاتها وشهواتهم فيها إلى أجلهم الذي أجلت لهم، ويلههم الأمل عن الأخذ بحظهم من طاعة الله فيها ، وتزوّدهم لمعادهم منها بما يقربهم من ربهم، فسوف يعلمون غدا إذا وردوا عليه. وقد هلكوا على كفرهم بالله وشركهم حين يُعاينون عذاب الله أنهم كانوا من تمتعهم بما كانوا يتمتعون فيها من اللذّات والشهوات كانوا في خسار وتباب.