آية رقم 36 - سورة النَّمل - تفسير القرآن الكريم

فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ


سورة: النَّمل الأية : ( 36 ) - الجزء : ( 19 ) - الصفحة: ( 380 )

القول في تفسير قوله تعالى: فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون

تفسير الميسّر

فلمَّا جاء رسول الملكة بالهديَّة إلى سليمان، قال مستنكرًا ذلك متحدثًا بأَنْعُمِ الله عليه: أتمدونني بمالٍ تَرْضيةً لي؟ فما أعطاني الله من النبوة والملك والأموال الكثيرة خير وأفضل مما أعطاكم، بل أنتم الذين تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم؛ لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها.



تفسير السعدي

فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ أي: جاءه الرسل بالهدية قَالَ منكرا عليهم ومتغيظا على عدم إجابتهم: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ فليست تقع عندي موقعا ولا أفرح بها قد أغناني الله عنها وأكثر علي النعم، بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لحبكم للدنيا وقلة ما بأيديكم بالنسبة لما أعطاني الله.



تفسير الوسيط

وفي الكلام حذف يفهم من السياق، وتقتضيه بلاغة القرآن الكريم والتقدير: وهيأت ملكة سبأ الهدية الثمينة لسليمان- عليه السلام-. وأرسلتها مع من اختارتهم من قومها لهذه المهمة، فلما جاء سليمان، أى: فلما وصل الرسل إلى سليمان ومعهم هدية ملكتهم إليه.

فلما رآها قال- على سبيل الإنكار والاستخفاف بتلك الهدية-: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ أى:

أتقدمون إلى هذا المال الزائل والمتمثل في تلك الهدية لأكف عن دعوتكم إلى إتيانى وأنتم مخلصون العبادة لله- تعالى- وحده. وتاركون لعبادة غيره؟

كلا لن ألتفت إلى هديتكم فَما آتانِيَ اللَّهُ من النبوة والملك الواسع خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ من أموال من جملتها تلك الهدية.

فالجملة الكريمة تعليل لإنكاره لهديتهم، ولاستخفافه بها، وسخريته منها.

وقوله- سبحانه-: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ إضراب عما ذكره من إنكاره لتلك الهدية وتعليله لهذا الإنكار، إلى بيان ما هم عليه من ضيق في التفكير، حيث أوهموا أن هذه الهدية، قد تفيد في صرف سليمان عن دعوتهم إلى وحدانية الله- تعالى-، وقد تحمله على تركهم وشأنهم.

أى: افهموا- أيها الرسل- وقولوا لمن أرسلكم .... المزيد



تفسير البغوي

( فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال ) قرأ حمزة ، ويعقوب : " أتمدوني " بنون واحدة مشددة وإثبات الياء ، وقرأ الآخرون : بنونين خفيفين ، ويثبت الياء أهل الحجاز والبصرة ، والآخرون يحذفونها ) ( فما آتاني الله ) أعطاني الله من النبوة والدين والحكمة والملك ) ( خير ) أفضل ( مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ) لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة بها ، تفرحون بإهداء بعضكم لبعض ، فأما أنا فلا أفرح بها ، وليست الدنيا من حاجتي ، لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحدا ، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة ،



تفسير القرطبي

قوله تعالى : فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال : أتمدونن بمال . قرأ حمزة ويعقوب والأعمش : بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها . الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد ; لأنها في كل المصاحف بنونين . وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ : ( أتمدون ) بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ . قال ابن الأنباري : فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف ، ليصح لها موافقة هجاء المصحف . والأصل في النون التشديد ، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من : أشهد أنك عالم ; وأصله : أنك عالم . وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ : ( تشاقون فيهم ) ( أتحاجوني في الله ) . وقد قالت العرب : الرجال يضربون ويقصدون ، وأصله يضربوني ويقصدوني : لأنه إدغام ( يضربونني ويقصدونني ) قال الشاعر :

ترهبين والجيد منك لليلى والحشا والبغام والعينان

والأصل ( ترهبيني ) فخفف . ومعنى ( أتمدونن ) أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي .

قوله تعالى : فما آتاني الله خير مما آتاكم أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم ، فلا أفرح بالمال . و ( آتان ) وقعت في كل المصاحف بغير ياء .... المزيد



تفسير ابن كثير

ذكر غير واحد من المفسرين ، من السلف وغيرهم : أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك . وقال بعضهم : أرسلت بلبنة من ذهب . والصحيح أنها أرسلت [ إليه ] بآنية من ذهب .

قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وغيرهما : وأرسلت جواري في زي الغلمان ، وغلمانا في زي الجواري ، وقالت : إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي . قالوا : فأمرهم [ سليمان ] عليه السلام ، أن يتوضئوا ، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء ، وجعل الغلام يغترف ، فميزهم بذلك .

وقيل : بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها ، والغلام بالعكس .

وقيل : بل جعلت الجواري يغتسلن من أكفهن إلى مرافقهن ، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم . ولا منافاة بين ذلك كله ، والله أعلم .

وذكر بعضهم : أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء ، لا من السماء ولا من الأرض ، فأجرى الخيل حتى عرقت ، ثم ملأه من ذلك ، وبخرزة وسلك ليجعله فيها ، ففعل ذلك . والله أعلم أكان ذلك أم لا ، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات . والظاهر أن سليمان ، عليه السلام ، لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية ، ولا اعتنى به ، بل أعرض عنه ، وقال منكرا عليهم : ( أتمدونن بما.... المزيد



تفسير الطبري

وقوله: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ).

إن قال قائل: وكيف قيل: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) فجعل الخبر في مجيء سليمان عن واحد, وقد قال قبل ذلك: (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) فإن كان الرسول كان واحدا, فكيف قيل (بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) وإن كانوا جماعة فكيف قيل: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) قيل: هذا نظير ما قد بيَّنا قبل من إظهار العرب الخبر في أمر كان من واحد على وجه الخبر, عن جماعة إذا لم يقصد قصد الخبر عن شخص واحد بعينه, يُشار إليه بعينه, فسمي في الخبر. وقد قيل: إن الرسول الذي وجَّهته ملكة سبأ إلى سليمان كان امرأ واحدا, فلذلك قال: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) يُراد به: فلما جاء الرسول سليمان; واستدلّ قائلو ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقول سليمان للرسول: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله, فلما جاءوا سليمان على الجمع, وذلك للفظ قوله: (بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) فصلح الجمع للفظ والتوحيد للمعنى.

وقوله: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ) يقول: قال سليمان لما جاء الرسول من قبل المرأة بهداياها: أتمدونن بمال..... المزيد



سياسة الخصوصية   شروط الاستخدام