آية رقم 19 - سورة سَبإ - تفسير القرآن الكريم

فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ


سورة: سَبإ الأية : ( 19 ) - الجزء : ( 22 ) - الصفحة: ( 430 )

القول في تفسير قوله تعالى: فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور

تفسير الميسّر

فبطغيانهم ملُّوا الراحة والأمن ورغد العيش، وقالوا: ربنا اجعل قُرانا متباعدة؛ ليبعد سفرنا بينها، فلا نجد قرى عامرة في طريقنا، وظلموا أنفسهم بكفرهم فأهلكناهم، وجعلناهم عبرًا وأحاديث لمن يأتي بعدهم، وفَرَّقناهم كل تفريق وخربت بلادهم، إن فيما حل "بسبأ" لَعبرة لكل صبَّار على المكاره والشدائد، شكور لنعم الله تعالى.



تفسير السعدي

فلما أصابهم ما أصابهم, تفرقوا وتمزقوا, بعدما كانوا مجتمعين, وجعلهم اللّه أحاديث يتحدث بهم, وأسمارا للناس, وكان يضرب بهم المثل فيقال: "تفرقوا أيدي سبأ" فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال اللّه: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } صبار على المكاره والشدائد, يتحملها لوجه اللّه, ولا يتسخطها بل يصبر عليها. شكور لنعمة اللّه تعالى يُقِرُّ بها, ويعترف, ويثني على من أولاها, ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم, وما جرى منهم وعليهم, عرف بذلك أن تلك العقوبة, جزاء لكفرهم نعمة اللّه, وأن من فعل مثلهم, فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر اللّه تعالى, حافظ للنعمة, دافع للنقمة، وأن رسل اللّه, صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق, كما رأى أنموذجه في دار الدنيا..... المزيد



تفسير الوسيط

ولكنهم لم يقدروا هذه النعمة، بل بلغ بهم الجهل والحمق والبطر، أنهم دعوا الله- تعالى- بقولهم- كما حكى القرآن عنهم-: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا.

أى: مع أننا بفضلنا وإحساننا قد أعطيناهم تلك النعمة، ومكانهم منها، وهي نعمة تيسير وسائل السفر، ومنحهم الأمان والاطمئنان خلاله.. إلا أنهم- لشؤمهم وضيق تفكيرهم وشقائهم- تضرعوا إلينا وقالوا: يا ربنا اجعل بيننا وبين القرى المباركة، مفاوز وصحارى متباعدة الأقطار، بدل تلك القرى العامرة المتقاربة، فهم- كما يقول صاحب الكشاف-:

بطروا النعمة، وبشموا. أى: سئموا- من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا النكد والتعب، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم، مكان المن والسلوى .

وفي هذه الجملة الكريمة قراءات متعددة ذكرها القرطبي فقال ما ملخصه: فقراءة العامة رَبَّنا- بالنصب- على أنه نداء مضاف.. باعِدْ- بزنة فاعل- سألوا المباعدة في أسفارهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو رَبَّنا كذلك على الدعاء بعد- بتشديد العين- من التبعيد.

وقرأ يعقوب وغيره ربنا- بالرفع- باعِدْ- بفتح العين والدال- على الخبر. أى: لقد باعد ربنا بَيْنَ أَسْفارِنا.

وقوله: .... المزيد



تفسير البغوي

( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ) فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل ونتزود الأزواد ، فعجل الله لهم الإجابة . وقال مجاهد : بطروا النعمة وسئموا الراحة .

قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : بعد بالتشديد من التبعيد ، وقرأ الآخرون : باعد ، بالألف ، وكل على وجه الدعاء والسؤال ، وقرأ يعقوب : " ربنا " برفع الباء ، " باعد " بفتح العين والدال على الخبر ، كأنهم استبعدوا أسفارهم القريبة بطروا وأشروا .

( وظلموا أنفسهم ) بالبطر والطغيان . ( فجعلناهم أحاديث ) عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم ( ومزقناهم كل ممزق ) فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق . قال الشعبي : لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد ، أما غسان فلحقوا بالشام ومر الأزد إلى عمان ، وخزاعة إلى تهامة ، ومر آل خزيمة إلى العراق ، والأوس والخزرج إلى يثرب ، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر ، وهو جد الأوس والخزرج .

( إن في ذلك لآيات ) لعبرا ودلالات ( لكل صبار ) عن معاصي الله ) ( شكور ) لأنعمه ، قال مقاتل : يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء شاكر للنعماء . قال مطرف : هو المؤمن إذا أعطي شكر وإذ.... المزيد



تفسير القرطبي

قوله تعالى : فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور .

قوله تعالى : فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا لما بطروا وطغوا وسئموا الراحة ولم يصبروا على العافية تمنوا طول الأسفار والكدح في المعيشة ; كقول بني إسرائيل : فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها الآية . وكالنضر بن الحارث حين قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابه الله تبارك وتعالى ، وقتل يوم بدر بالسيف صبرا ; فكذلك هؤلاء تبددوا في الدنيا ومزقوا كل ممزق ، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل ويتزودون الأزواد . وقراءة العامة ( ربنا ) بالنصب على أنه نداء مضاف ، وهو منصوب لأنه مفعول به ؛ لأن معناه : ناديت ودعوت . ( باعد ) سألوا المباعدة في أسفارهم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وهشام عن ابن عامر : ( ربنا ) كذلك على الدعاء ( بعد ) من التبعيد . النحاس : وباعد وبعد واحد في المعنى ، كما تقول : قارب وقرب . وقرأ أبو صالح ومحمد ابن الحنفية وأبو العالية ونصر بن عاصم ويعقوب ، ويروى عن ابن عباس : ( ربنا ) رفعا .... المزيد



تفسير ابن كثير

( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم ) ، وقرأ آخرون : " بعد بين أسفارنا " ، وذلك أنهم بطروا هذه النعمة - كما قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وغير واحد - وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف ، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة; ولهذا قال لهم : ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ) [ البقرة : 61 ] ، وقال تعالى : ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ) [ القصص : 58 ] ، وقال تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) [ النحل : 112 ] . وقال في حق هؤلاء : ( وظلموا أنفسهم ) أي : بكفرهم ، ( فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ) أي : جعلناهم حديثا للناس ، وسمرا يتحدثون به من خبرهم ، وكيف مكر الله بهم ، وفرق شملهم بعد الاجتماع وا.... المزيد



تفسير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)

اختلف القراء في قراءة قوله: ( رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة ( رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) على وجه الدعاء والمسألة بالألف. وقرأ ذلك بعض أهل مكة والبصرة (بَعِّدْ) بتشديد العين على الدعاء أيضًا. وذكر عن المتقدمين أنه كان يقرؤه (رَبنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) على وجه الخبر من الله أن الله فعل بهم ذلك، وحكي عن آخر أنه قرأه (رَبَّنَا بَعَّدَ) على وجه الخبر أيضًا غير أن الرب منادى.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا(رَبَّنَا بَاعِدْ) و (بَعِّدْ) لأنهما القراءتان المعروفتان في قراءة الأمصار، وما عداهما فغير معروف فيهم، على أن التأويل من أهل التأويل أيضًا يحقق قراءة من قرأه على وجه الدعاء والمسألة، وذلك أيضًا مما يزيد القراءة الأخرى بعدًا من الصواب.

فإذا كان هو الصواب من القراءة، فتأويل الكلام: فقالوا: يا ربن.... المزيد



سياسة الخصوصية   شروط الاستخدام