آية رقم 3 - سورة غَافِر - تفسير القرآن الكريم

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ


سورة: غَافِر الأية : ( 3 ) - الجزء : ( 24 ) - الصفحة: ( 467 )

القول في تفسير قوله تعالى: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير

تفسير الميسّر

غافر الذنب للمذنبين، وقابل التوب من التائبين، شديد العقاب على مَن تجرَّأَ على الذنوب، ولم يتب منها، وهو سبحانه وتعالى صاحب الإنعام والتفضُّل على عباده الطائعين، لا معبود تصلح العبادة له سواه، إليه مصير جميع الخلائق يوم الحساب، فيجازي كلا بما يستحق.



تفسير السعدي

{ غَافِرِ الذَّنْبِ } للمذنبين { وَقَابِلِ التَّوْبِ } من التائبين، { شَدِيدِ الْعِقَابِ } على من تجرأ على الذنوب ولم يتب منها، { ذِي الطَّوْلِ } أي: التفضل والإحسان الشامل.

فلما قرر ما قرر من كماله وكان ذلك موجبًا لأن يكون وحده، المألوه الذي تخلص له الأعمال قال: { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ }

ووجه المناسبة بذكر نزول القرآن من الله الموصوف بهذه الأوصاف أن هذه الأوصاف مستلزمة لجميع ما يشتمل عليه القرآن، من المعاني.

فإن القرآن: إما إخبار عن أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، وهذه أسماء، وأوصاف، وأفعال.

وإما إخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، فهي من تعليم العليم لعباده.

وإما إخبار عن نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وما يوصل إلى ذلك، من الأوامر، فذلك يدل عليه قوله: { ذِي الطَّوْلِ }

وإما إخبار عن نقمه الشديدة، وعما يوجبها ويقتضيها من المعاصي، فذلك يدل عليه قوله: { شَدِيدِ الْعِقَابِ }

وإما دعوة للمذنبين إلى التوبة والإنابة، والاستغفار، فذلك يدل عليه قوله: { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ }

وإما إخبار بأنه.... المزيد



تفسير الوسيط

غافِرِ الذَّنْبِ أى: ساتر لذنوب عباده، ومزيل لأثرها عنهم بفضله ورحمته.

فلفظ غافِرِ من الغفر بمعنى الستر والتغطية، يقال: غفر الله- تعالى- ذنب فلان غفرا ومغفرة وغفرانا، إذا غطاه وستره وعفا عنه.

ولفظ الذنب: يطلق على كل قول أو فعل تسوء عاقبته، مأخوذ من ذنب الشيء، أى:

نهايته وَقابِلِ التَّوْبِ والتوب مصدر بمعنى الرجوع عن الذنب والتوبة منه. يقال: تاب فلان عن الذنب توبة وتوبا إذا رجع عنه.

أى: أنه- سبحانه- يغفر ذنوب عباده، ويقبل توبتهم فضلا منه وكرما.

قال صاحب الكشاف: ما بال الواو في قوله وَقابِلِ التَّوْبِ؟

قلت: فيها نكتة جليلة، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأنه لم يذنب. كأنه قال: جامع المغفرة والقبول.. .

شَدِيدِ الْعِقابِ أى: لمن أشرك به، وأعرض عن الحق الذي جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلم ذِي الطَّوْلِ أى: ذي الفضل والثواب والإنعام على من يشاء من عباده.

والطّول: السعة والغنى والزيادة، يقال: لفلان على فلان طول، أى زيادة وفضل، ومنه الطّول في الجسم لأنه زيادة.... المزيد



تفسير البغوي

( غافر الذنب ) ساتر الذنب ، ( وقابل التوب ) يعني التوبة ، مصدر تاب يتوب توبا . وقيل : التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم . قال ابن عباس : غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله ، وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله ( شديد العقاب ) لمن لا يقول لا إله إلا الله ، ( ذي الطول ) ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله . قال مجاهد : " ذي الطول " : ذي السعة والغنى . وقال الحسن : ذو الفضل . وقال قتادة : ذو النعم . وقيل : ذو القدرة . وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه . ( لا إله إلا هو إليه المصير ) .



تفسير القرطبي

غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب قال الفراء : جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة . وقال الزجاج : هي خفض على البدل . النحاس : وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن غافر الذنب وقابل التوب يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين ، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ، ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ، ولكن يكون خفضهما على البدل ، ويجوز النصب على الحال ، فأما شديد العقاب فهو نكرة ويكون خفضه على البدل . قال ابن عباس : غافر الذنب لمن قال : " لا إله إلا الله " وقابل التوب ممن قال : " لا إله إلا الله " شديد العقاب لمن لم يقل : " لا إله إلا الله " . وقال ثابت البناني : كنت إلى سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب ، قال : فاستفتحت حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم فمر علي رجل على دابة فلما قلت غافر الذنب قال : قل : يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي ، فلما قلت : قابل التوب قال : قل : يا قابل التوب تقبل توبتي ، فلما قلت : شديد العقاب قال : قل : يا شديد العقاب اعف عني ، فلما قلت : ذي الطول قال : قل : يا ذا الطول طل علي بخير ، فقمت إليه فأخذ ببصري ، فالتفت يمينا وشمالا فلم أ.... المزيد



تفسير ابن كثير

وقوله : ( غافر الذنب وقابل التوب ) أي : يغفر ما سلف من الذنب ، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه .

وقوله : ( شديد العقاب ) أي : لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ، وعتا عن أوامر الله ، وبغى [ وقد اجتمع في هذه الآية الرجاء والخوف ] . وهذه كقوله تعالى : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) [ الحجر : 49 ، 50 ] يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ; ليبقى العبد بين الرجاء والخوف .

وقوله : ( ذي الطول ) قال ابن عباس : يعني : السعة والغنى . وكذا قال مجاهد وقتادة .

وقال يزيد بن الأصم : ( ذي الطول ) يعني : الخير الكثير .

وقال عكرمة : ( ذي الطول ) ذي المن .

وقال قتادة : [ يعني ] ذي النعم والفواضل .

والمعنى : أنه المتفضل على عباده ، المتطول عليهم بما هو فيه من المنن والأنعام ، التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها ، ( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها [ إن الإنسان لظلوم كفار ] ) [ إبراهيم : 34 ] .

وقوله : ( لا إله إلا هو ) أي : لا نظير له في جميع صفاته ، فلا إله غيره ، ولا رب سواه ( إليه المصير ) أي : الم.... المزيد



تفسير الطبري

وفي قوله: ( غَافِرِ الذَّنْبِ ) وجهان ; أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد, وإذا أريد هذا المعنى, كان خفض غافر وقابل من وجهين, أحدهما من نية تكرير " من ", فيكون معنى الكلام حينئذ: تنـزيل الكتاب من الله العزيز العليم, من غافر الذنب, وقابل التوب, لأن غافر الذنب نكرة, وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة, وهو نكرة, والآخر أن يكون أجرى في إعرابه, وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له, لوقوعه بينه وبين قوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) وهو معرفة.. وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول, إذ كان مدحا, وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا, ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع كما قال الشاعر:

لا يَبْعَــدَنْ قَــوْمي الَّــذِينَ هــمُ

سُـــمُّ العُــدَاةِ وآفَــةُ الجُــزُرِ

النَّــــازِلينَ بِكُـــلّ مُعْـــتَركٍ

والطَّيِّبِيـــــنَ مَعَــــاقِدَ الأزُر (3)

وكما قال جلّ ثناؤه وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ فرفع فعال وهو نكرة محضة, وأتبع إعراب الغفور الودود; والآخر: أن يكون معناه: أن ذلك من صفته تعالى, .... المزيد



سياسة الخصوصية   شروط الاستخدام