آية رقم 2 - سورة الإنسَان - تفسير القرآن الكريم
إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا
القول في تفسير قوله تعالى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا
تفسير الميسّر
إنا خلقنا الإنسان من نطفة مختلطة من ماء الرجل وماء المرأة، نختبره بالتكاليف الشرعية فيما بعد، فجعلناه من أجل ذلك ذا سمع وذا بصر؛ ليسمع الآيات، ويرى الدلائل، إنا بينَّا له وعرَّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر؛ ليكون إما مؤمنًا شاكرًا، وإما كفورًا جاحدًا.
تفسير السعدي
ثم لما أراد الله تعالى خلقه، خلق [أباه] آدم من طين، ثم جعل نسله متسلسلا { مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } أي: ماء مهين مستقذر { نَبْتَلِيهِ } بذلك لنعلم هل يرى حاله الأولى ويتفطن لها أم ينساها وتغره نفسه؟
فأنشأه الله، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة، كالسمع والبصر، وسائر الأعضاء، فأتمها له وجعلها سالمة يتمكن بها من تحصيل مقاصده.
تفسير الوسيط
ثم فصل- سبحانه- بعد هذا التشويق، أطوار خلق الإنسان فقال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ والمراد بالإنسان هنا- أيضا- جنسه وجميع أفراده.
و «أمشاج» بمعنى أخلاط من عناصر شتى، مشتق من المشج بمعنى الخلط، يقال: مشج فلان بين كذا وكذا- من باب ضرب- إذا خلط ومزج بينهما، وهو جمع مشج- كسبب، أو مشج- ككتف، أو مشيج- كنصير.
قال الجمل: «أمشاج» نعت لنطفة. ووقع الجمع صفة لمفرد، لأنه في معنى الجمع، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة، فاعتبر ذلك فوصف بالجمع.. .
ويرى صاحب الكشاف ان لفظ «أمشاج» مفرد جاء على صيغة أفعال، كلفظ أعشار في قولهم: برمة أعشار، أى: برمة متكسرة قطعا قطعا، وعليه يكون المفرد قد نعت بلفظ مفرد مثله. فقد قال- رحمه الله-: «من نطفة أمشاج» كبرمة أعشار.. وهي ألفاظ مفردة غير جموع.
ولذلك وقعت صفات للأفراد، والمعنى: من نطفة قد امتزج فيها الماءان...
وجملة «نبتليه» حال من الإنسان. أو من فاعل «خلقنا» .
أى: إنا خلقنا الإنسان بقدرتنا وحدها. «من نطفة» أى: من منّى، وهو ماء الرجل وماء المرأة، «أمشاج» أى: ممتزج أحدهما بالآخر امتزاجا تاما..... المزيد
تفسير البغوي
( إنا خلقنا الإنسان ) يعني ولد آدم ( من نطفة ) يعني : مني الرجل ومني المرأة . ( أمشاج ) أخلاط ، واحدها : مشج ومشيج ، مثل خدن وخدين .
قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد والربيع : يعني ماء الرجل [ وماء المرأة ] يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد . فماء الرجل أبيض غليظ ، وماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له ، وما كان من عصب وعظم فهو من نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة .
وقال الضحاك : أراد بالأمشاج اختلاف ألوان النطفة ، فنطفة الرجل بيضاء وحمراء وصفراء ، ونطفة المرأة خضراء وحمراء [ وصفراء ] ، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس . وكذلك قال الكلبي : قال : الأمشاج البياض في الحمرة والصفرة . وقال يمان : كل لونين اختلطا فهو أمشاج . وقال ابن مسعود : هي العروق التي تكون في النطفة .
وقال الحسن : نطفة مشجت بدم ، وهو دم الحيضة ، فإذا حبلت ارتفع الحيض .
وقال قتادة : هي أطوار الخلق نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم [ عظما ] ثم يكسوه لحما ثم ينشئه خلقا آخر .
( نبتليه ) نختبره بالأمر والنهي ( فجعلناه سميعا بصيرا ) قال بعض أهل العربية : فيه تقديم وتأ.... المزيد
تفسير القرطبي
قوله تعالى : إنا خلقنا الإنسان أي ابن آدم من غير خلاف من نطفة أي من ماء يقطر وهو المني ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة ; كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه :
مالي أراك تكرهين الجنه هل أنت إلا نطفة في شنه
وجمعها : نطف ونطاف . أمشاج أخلاط . واحدها : مشج ومشيج ، مثل خدن وخدين ; قال : رؤبة :
يطرحن كل معجل نشاج لم يكس جلدا في دم أمشاج
ويقال : مشجت هذا بهذا أي خلطته ، فهو ممشوج ومشيج ; مثل : مخلوط وخليط . وقال المبرد : واحد الأمشاج : مشيج ; يقال : مشج يمشج : إذا خلط ، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم ; قال الشماخ :
طوت أحشاء مرتجة لوقت على مشج سلالته مهين
وقال الفراء : أمشاج : أخلاط ماء الرجل وماء المرأة ، والدم والعلقة . ويقال للشيء من هذا إذا خلط : مشيج كقولك خليط ، وممشوج كقولك مخلوط . وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : الأمشاج : الحمرة في البياض ، والبياض في الحمرة . وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة ; قال الهذلي :
كأن الريش والفوقين منه خلاف النصل سيط به مشيج
وعن ابن عباس أيضا قال : يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة و.... المزيد
تفسير ابن كثير
ثم بين ذلك فقال : ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ) أي : أخلاط . والمشج والمشيج : الشيء الخليط ، بعضه في بعض .
قال ابن عباس في قوله : ( من نطفة أمشاج ) يعني : ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور ، وحال إلى حال ، ولون إلى لون . وهكذا قال عكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، والربيع بن أنس : الأمشاج : هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة .
وقوله : ( نبتليه ) أي : نختبره ، كقوله : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) [ الملك : 2 ] . ( فجعلناه سميعا بصيرا ) أي : جعلنا له سمعا وبصرا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية .
تفسير الطبري
وقوله: ( إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ )يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا ذرّية آدم من نطفة، يعني: من ماء الرجل وماء المرأة، والنطفة: كلّ ماء قليل في وعاء كان ذلك ركية أو قربة، أو غير لك، كما قال عبد الله بن رواحة:
هَلْ أنْتِ إلا نُطْفَةٌ في شَنَّه (2)
وقوله: ( أمْشاجٍ ) يعني: أخلاط، واحدها: مشج ومشيج، مثل خدن وخدين؛ ومنه قول رؤبة بن العجاج:
يَطْرَحْــنَ كُــلَّ مُعْجَــلٍ نَشَّـاج
لَــمْ يُكْـسَ جِـلْدًا فـي دَمٍ أمْشـاجِ (3)
يقال منه: مشجت هذا بهذا: إذا خلطته به، وهو ممشوج به ومشيج: أي مخلوط به، كما قال أبو ذؤيب:
كــأنَّ الــرّيشَ والفُــوقَيْن مِنْـه
خِــلالَ النَّصْـل سِـيطَ بِـهِ مَشِـيجُ (4)
واختلف أهل التأويل في معنى الأمشاج الذي عني بها في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُريب وأبو هشام الرفاعي قالا ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن عكرِمة ( أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ) قال: ماء الرجل وماء المرأة يمشج أحدهما بالآخر.المزيد