آية رقم 3 - سورة الغَاشِية - تفسير القرآن الكريم
القول في تفسير قوله تعالى: عاملة ناصبة
تفسير الميسّر
وجوه الكفار يومئذ ذليلة بالعذاب، مجهدة بالعمل متعبة، تصيبها نار شديدة التوهج، تُسقى من عين شديدة الحرارة. ليس لأصحاب النار طعام إلا من نبت ذي شوك لاصق بالأرض، وهو مِن شر الطعام وأخبثه، لا يُسْمن بدن صاحبه من الهُزال، ولا يسدُّ جوعه ورمقه.
تفسير السعدي
{ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ } أي: تاعبة في العذاب، تجر على وجوهها، وتغشى وجوههم النار.
ويحتمل أن المراد [بقوله:] { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ } في الدنيا لكونهم في الدنيا أهل عبادات وعمل، ولكنه لما عدم شرطه وهو الإيمان، صار يوم القيامة هباء منثورا، وهذا الاحتمال وإن كان صحيحًا من حيث المعنى، فلا يدل عليه سياق الكلام، بل الصواب المقطوع به هو الاحتمال الأول، لأنه قيده بالظرف، وهو يوم القيامة، ولأن المقصود هنا بيان وصف أهل النار عمومًا، وذلك الاحتمال جزء قليل من أهل النار بالنسبة إلى أهلها ؛ ولأن الكلام في بيان حال الناس عند غشيان الغاشية، فليس فيه تعرض لأحوالهم في الدنيا..... المزيد
تفسير الوسيط
وهذه الوجوه- أيضا- من صفاتها أنها عامِلَةٌ ناصِبَةٌ أى: مكلفة بالعمل الشاق المرهق الذي تنصب له الوجوه في هذا اليوم، وتتعب تعبا ما عليه من مزيد، كجر السلاسل، وحمل الأغلال، والخوض في النار.
فقوله: عامِلَةٌ اسم فاعل من العمل، والمراد به هنا: العمل الشاق المهين.
وقوله: ناصِبَةٌ من النّصب، بمعنى: التعب والإعياء يقال: نصب فلان بكسر الصاد- كفرح- ينصب نصبا، إذا تعب في عمله تعبا شديدا.
وفي هذه الصفات زيادة توبيخ لأهل النار، لأنهم لما تركوا في الدنيا الخشوع لله- تعالى-والعمل لصالح، وآثروا متع الدنيا على ثواب الآخرة.. كان جزاؤهم يوم القيامة، الإذلال، والعمل الشاق المهين الذي لا تعقبه راحة..... المزيد
تفسير البغوي
"عاملة ناصبة"، قال عطاء عن ابن عباس : يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب ، مثل الرهبان وغيرهم ، لا يقبل الله منهم اجتهادا في ضلالة ، يدخلون النار يوم القيامة ، وهو قول سعيد بن جبير ، وزيد بن أسلم . ومعنى النصب : الدأب في العمل بالتعب .
وقال عكرمة والسدي : عاملة في الدنيا بالمعاصي ، ناصبة في الآخرة في النار .
وقال بعضهم : عاملة في النار ناصبة فيها . قال الحسن : لم تعمل لله في الدنيا ، فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل ، والأغلال . وبه قال قتادة ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس .
قال ابن مسعود : تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل .
وقال الكلبي : يجرون على وجوههم في النار .
[ وقال الضحاك : يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار ] والكلام خرج على " الوجوه " والمراد منها أصحابها ..... المزيد
تفسير القرطبي
ثم قال : عاملة ناصبة فهذا في الدنيا ; لأن الآخرة ليست دار عمل . فالمعنى : وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ( خاشعة ) في الآخرة . قال أهل اللغة : يقال للرجل إذا دأب في سيره : قد عمل يعمل عملا . ويقال للسحاب إذا دام برقه : قد عمل يعمل عملا . وذا سحاب عمل . قال الهذلي :
حتى شآها كليل موهنا عمل باتت طرابا وبات الليل لم ينم
ناصبة أي تعبة . يقال : نصب ( بالكسر ) ينصب نصبا : إذا تعب ، ونصبا أيضا ، وأنصبه غيره . فروى الضحاك عن ابن عباس قال : هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله - عز وجل - ، وعلى الكفر مثل عبدة الأوثان ، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم ، لا يقبل الله - جل ثناؤه - منهم إلا ما كان خالصا له . وقال سعيد عن قتادة : عاملة ناصبة قال : تكبرت في الدنيا عن طاعة الله - عز وجل - ، فأعملها الله وأنصبها في النار ، بجر السلاسل الثقال ، وحمل الأغلال ، والوقوف حفاة عراة في العرصات ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . قال الحسن وسعيد بن جبير : لم تعمل لله في الدنيا ، ولم تنصب له ، فأعملها وأنصبها في جهنم . وقال الكلبي : يجرون على وجوههم في النار . وعنه وعن غيره : يكلفون ار.... المزيد
تفسير ابن كثير
وقوله : ( عاملة ناصبة ) أي : قد عملت عملا كثيرا ، ونصبت فيه ، وصليت يوم القيامة نارا حامية .
وقال الحافظ أبو بكر البرقاني : حدثنا إبراهيم بن محمد المزكى ، حدثنا محمد بن إسحاق السراج ، حدثنا هارون بن عبد الله ، حدثنا سيار حدثنا جعفر قال : سمعت أبا عمران الجوني يقول : مر عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، بدير راهب ، قال : فناداه : يا راهب [ يا راهب ] فأشرف . قال : فجعل عمر ينظر إليه ويبكي . فقيل له : يا أمير المؤمنين ، ما يبكيك من هذا ؟ قال : ذكرت قول الله ، - عز وجل - في كتابه : ( عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) فذاك الذي أبكاني .
وقال البخاري : قال ابن عباس : ( عاملة ناصبة ) النصارى .
وعن عكرمة ، والسدي : ( عاملة ) في الدنيا بالمعاصي ( ناصبة ) في النار بالعذاب والأغلال ..... المزيد
تفسير الطبري
وقوله: ( عَامِلَةٌ ) يعني: عاملة في النار. وقوله: ( ناصِبَةٌ ) يقول: ناصبة فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ) فإنها تعمل وَتَنْصَب من النار.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن، قرأ: ( عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ) قال: لم تعمل لله في الدنيا، فأعملها في النار.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ) تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ) قال: عاملة ناصبة في النار.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ) قال: لا أحد أنصَبُ ولا أشدّ من أهل النار..... المزيد