آية رقم 2 - سورة الحج - تفسير القرآن الكريم

يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ


سورة: الحج الأية : ( 2 ) - الجزء : ( 17 ) - الصفحة: ( 332 )

القول في تفسير قوله تعالى: يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد

تفسير الميسّر

يوم ترون قيام الساعة تنسى الوالدةُ رضيعَها الذي ألقمته ثديها؛ لِمَا نزل بها من الكرب، وتُسْقط الحامل حملها من الرعب، وتغيب عقول للناس، فهم كالسكارى من شدة الهول والفزع، وليسوا بسكارى من الخمر، ولكن شدة العذاب أفقدتهم عقولهم وإدراكهم.



تفسير السعدي

{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } مع أنها مجبولة على شدة محبتها لولدها، خصوصا في هذه الحال، التي لا يعيش إلا بها.

{ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } من شدة الفزع والهول، { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } أي: تحسبهم -أيها الرائي لهم- سكارى من الخمر، وليسوا سكارى.

{ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } فلذلك أذهب عقولهم، وفرغ قلوبهم، وملأها من الفزع، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وفي ذلك اليوم، لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.

ويومئذ { يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }

وهناك { يعض الظالم على يديه، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } وتسود حينئذ وجوه وتبيض وجوه، وتنصب الموازين، التي يوزن بها مثاقيل الذر، من الخير والشر، وتنشر صحائف الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيات، من صغير وكبير، وينصب الصراط على متن جهنم، وتزلف الجنة للمتقين، و.... المزيد



تفسير الوسيط

ثم فصل- سبحانه- هذا الشيء العظيم تفصيلا يزيد في وجل القلوب فقال: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ....

والضمير في «ترونها» ، يعود إلى الزلزلة لأنها هي المتحدث عنها والظرف «يوم» منصوب بالفعل تذهل، والرؤية بصرية لأنهم يرون ذلك بأعينهم.

والذهول: الذهاب عن الأمر والانشغال عنه مع دهشة وحيرة وخوف، ومنه قول عبد الله ابن رواحة- رضى الله عنه-:

ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله

أى: أن هذه الزلزلة من مظاهر شدتها ورهبتها، أنكم ترون الأم بسببها تنسى وتترك وليدها الذي ألقمته ثديها. وكأنها لا تراه ولا تحس به من شدة الفزع.

قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: لم قيل مُرْضِعَةٍ

دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى، والمرضع: التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة عَمَّا أَرْضَعَتْ

عن إرضاعها: أو عن الذي أرضعته وهو الطفل ... » .

وقوله- سبحانه-: وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ .... المزيد



تفسير البغوي

( يوم ترونها ) يعني الساعة وقيل الزلزلة ، ( تذهل ) قال ابن عباس : تشغل ، وقيل تنسى ، يقال ذهلت عن كذا أي تركته واشتغلت بغيره . ( كل مرضعة عما أرضعت ) أي كل امرأة معها ولد ترضعه يقال امرأة مرضع بلا هاء إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء ( وتضع كل ذات حمل حملها ) أي تسقط ولدها من هول ذلك اليوم

قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حمل

ومن قال تكون في القيامة قال هذا على وجه تعظيم الأمر لا على حقيقته كقولهم أصابنا أمر يشيب فيه الوليد يريد شدته

( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) قرأ حمزة والكسائي : " سكرى وما هم بسكرى " بلا ألف وهما لغتان في جمع السكران مثل كسلى وكسالى

قال الحسن : معناه وترى الناس سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب .

وقيل معناه وترى الناس كأنهم سكارى ( ولكن عذاب الله شديد )

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر ،.... المزيد



تفسير القرطبي

قوله تعالى : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد

قوله تعالى : يوم ترونها الهاء في ( ترونها ) عائدة عند الجمهور على الزلزلة ؛ ويقوي هذا تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا . وقالت فرقة : الزلزلة في يوم القيامة ؛ واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه ، وفيه : أتدرون أي يوم ذلك . . . الحديث . وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري .

قوله : ( تذهل ) أي تشتغل ؛ قاله قطرب . وأنشد :

ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

وقيل : تنسى . وقيل : تلهو ؛ وقيل : تسلو ؛ والمعنى متقارب . عما أرضعت قال المبرد : ( ما ) بمعنى المصدر ؛ أي تذهل عن الإرضاع . قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا ؛ إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع . إلا أن يقال : ما ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول . ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك . ويقال : هذا كما قال الله - عز وجل - : يوما يجعل الولدان شيبا . وقيل : تكون مع النفخة الأولى . وقيل : تكون مع قيام الساعة ، حتى يتحرك .... المزيد



تفسير ابن كثير

ثم قال تعالى : ( يوم ترونها ) : هذا من باب ضمير الشأن; ولهذا قال مفسرا له : ( تذهل كل مرضعة عما أرضعت ) أي : تشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها ، والتي هي أشفق الناس عليه ، تدهش عنه في حال إرضاعها له; ولهذا قال : ( كل مرضعة ) ، ولم يقل : " مرضع " وقال : ( عما أرضعت ) أي : عن رضيعها قبل فطامه .

وقوله : ( وتضع كل ذات حمل حملها ) أي : قبل تمامه لشدة الهول ، ( وترى الناس سكارى ) وقرئ : " سكرى " أي : من شدة الأمر الذي [ قد ] صاروا فيه قد دهشت عقولهم ، وغابت أذهانهم ، فمن رآهم حسب أنهم سكارى ، ( وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) .



تفسير الطبري

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ) قال: تترك ولدها للكرب الذي نـزل بها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن ( تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ) قال: ذهلت عن أولادها بغير فطام ( وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ) قال: ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام، ( وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ) يقول: وتسقط كل حامل من شدة كرب ذلك حملها.

وقوله ( وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى ) قرأت قرّاء الأمصار ( وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) على وجه الخطاب للواحد، كأنه قال: وترى يا محمد الناس حينئذ سُكارى وما هم بسُكارى. وقد رُوي عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير (وَتُرَى النَّاسَ) بضم التاء ونصب الناس، من قول القائل: أرِيْت تُرى، التي تطلب الاسم والفعل (7) ، كظنّ وأخواتها.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء.

واختلف القرّاء في قراءة قوله ( سُكارَى ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة ( .... المزيد



سياسة الخصوصية   شروط الاستخدام