آية رقم 31 - سورة التوبَة - تفسير القرآن الكريم

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ


سورة: التوبَة الأية : ( 31 ) - الجزء : ( 10 ) - الصفحة: ( 191 )

القول في تفسير قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

تفسير الميسّر

اتخذ اليهودُ والنصارى العلماءَ والعُبَّادَ أربابًا يُشَرِّعون لهم الأحكام، فيلتزمون بها ويتركون شرائع الله، واتخذوا المسيح عيسى ابن مريم إلهًا فعبدوه، وقد أمرهم الله بعبادته وحده دون غيره، فهو الإله الحق لا إله إلا هو. تنزَّه وتقدَّس عما يفتريه أهل الشرك والضلال.



تفسير السعدي

وهذا ـ وإن كان يستغرب على أمة كبيرة كثيرة، أن تتفق على قول ـ يدل على بطلانه أدنى تفكر وتسليط للعقل عليه، فإن لذلك سببا وهو أنهم‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ‏}‏ وهم علماؤهم ‏{‏وَرُهْبَانَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ العُبَّاد المتجردين للعبادة‏.‏

‏{‏أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ‏}‏ يُحِلُّون لهم ما حرم اللّه فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل اللّه فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها‏.‏

وكانوا أيضًا يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانا تعبد من دون اللّه، وتقصد بالذبائح، والدعاء والاستغاثة‏.‏

‏{‏وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ‏}‏ اتخذوه إلها من دون اللّه، والحال أنهم خالفوا في ذلك أمر اللّه لهم على ألسنة رسله فما ‏{‏أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ‏}‏ فيخلصون له العبادة والطاعة، ويخصونه بالمحبة والدعاء، فنبذوا أمر اللّه وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا‏.‏

‏{‏سُبْحَانَهُ‏}‏ وتعالى ‏{‏عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تنزه وتقدس، وتعالت عظمته عن شركهم وافترائهم، فإنهم ينتقصونه في ذلك، ويصفونه بم.... المزيد



تفسير الوسيط

وقوله- سبحانه اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ بيان للون آخر من ألوان انحراف اليهود والنصارى عن الحق إلى الباطل، وتقرير لما سبقت حكايته عنهم من أقوال فاسدة، وأفعال ذميمة.

والضمير في قوله اتَّخَذُوا يعود إلى الفريقين اللذين حكت الآية السابقة ما قالوه من باطل وبهتان.

والأحبار: علماء اليهود جمع حبر، بكسر الحاء وفتحها- وهو الذي يحسن القول ويتقنه، مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين والتزيين، ومنه ثوب محبر أى جمع الزينة والحسن، والرهبان: علماء النصارى جمع راهب وهو الزاهد في متع الدنيا، المنعزل عن الناس مأخوذ من الرهبة بمعنى الخشية والخوف من الله- تعالى.

والمراد باتخاذهم لأحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، أنهم أطاعوهم فيها أحلوه لهم، وفيما حرموه عليهم، ولو كان هذا التحليل والتحريم مخالفا لشرع الله.

وهذا التفسير مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدى بن حاتم أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام: وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته.... المزيد



تفسير البغوي

( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ) أي : علماءهم وقراءهم ، والأحبار : العلماء ، واحدها حبر ، وحبر بكسر الحاء وفتحها ، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع فإن قيل : إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان؟ قلنا : معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا ، فاتخذوهم كالأرباب . روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي : " يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك " ، فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) حتى فرغ منها ، قلت له : إنا لسنا نعبدهم ، فقال : " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه " ؟ قال قلت : بلى ، قال : " فتلك عبادتهم " .

قال عبد الله بن المبارك :

وهل بدل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها

( والمسيح ابن مريم ) أي : اتخذوه إلها ، ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) ..... المزيد



تفسير القرطبي

قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم الأحبار جمع حبر ، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه . ومنه ثوب محبر أي : جمع الزينة . وقد قيل في واحد الأحبار : حبر بكسر الحاء ، والدليل على ذلك أنهم قالوا : مداد حبر يريدون مداد عالم ، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد حبر . قال الفراء : الكسر والفتح لغتان . وقال ابن السكيت : الحبر بالكسر المداد ، والحبر بالفتح العالم . والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة ، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس ، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به .

قوله تعالى أربابا من دون الله قال أهل المعاني : جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء ، ومنه قوله تعالى : قال انفخوا حتى إذا جعله نارا أي كالنار . قال عبد الله بن المبارك :

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها

روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبى البختري قال :.... المزيد



تفسير ابن كثير

[ وقوله ] ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ) روى الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن جرير من طرق ، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، فأسرت أخته وجماعة من قومه ، ثم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها ، فرجعت إلى أخيها ، ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدم عدي المدينة ، وكان رئيسا في قومه طيئ ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم ، فتحدث الناس بقدومه ، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنق عدي صليب من فضة ، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم . فقال : بلى ، إنهم حرموا عليهم الحلال ، وأحلوا لهم الحرام ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عدي ، ما تقول ؟ أيفرك أن يقال : الله أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؟ ما يفرك ؟ أيفرك أن يقال : لا إله إلا الله ؟ فهل تعلم من إله إلا الله ؟ ثم دع.... المزيد



تفسير الطبري

القول في تأويل قوله : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: اتخذ اليهود أحبارهم, وهم العلماء.

* * *

وقد بينت تأويل ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا قبل. واحدهم " حَبْرٌ"، و " حِبْرٌ" بكسر الحاء منه وفتحها. (37)

وكان يونس الجرمي، (38) فيما ذكر عنه، يزعم أنه لم يسمع ذلك إلا " حِبر " بكسر الحاء, ويحتج بقول الناس: " هذا مِدَادُ حِبْرٍ", يراد به: مدادُ عالم.

وذكر الفرَّاء أنه سمعه " حِبْرًا "، و " حَبْرًا " بكسر الحاء وفتحها.

* * *

= والنصارى " رهبانهم "، (39) وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم، (40) كما:-

16630- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سلمة, عن الضحاك: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم)، قال: قُرَّاءهم وعلماءهم.

* * *

=(أربابا من دون الله)، يعني: سادةً لهم من دون الله، (41) يطيعونهم في معاصي الله, فيحلون ما أحلُّوه لهم .... المزيد



سياسة الخصوصية   شروط الاستخدام